قطب الدين الراوندي

379

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وأنت في كنف سره مقيم ، وفي سعة فضله متقلب فلم يمنعك فضله ، ولم يهتك عنك ستره ، بل لم تخل من لطفه مطرف عين في نعمة يحدثها لك ، أو سيئة يسترها عليك ، أو بلية يصرفها عنك ، فما ظنك به لو أطعته . وأيم اللَّه لو أن هذه الصفة كانت في متفقين في القوة متوازنين ( 1 ) في القدرة لكنت أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ومساوىء الاعمال . وحقا أقول : ما الدنيا غرتك ولكن بها اغتررت ، ولقد كاشفتك العظات ، وآذنتك على سواء ، ولهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك . ولرب ناصح لها عندك متهم ، وصادق من خبرها مكذب ، ولئن تعرفتها في الديار الخاوية والربوع الخالية ، لتجدنها من حسن تذكيرك وبلاغ موعظتك بمحلة الشفيق عليك والشحيح بك . ولنعم دار من لم يرض بها دارا ، ومحل من لم يوطنها محلا . وان السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها اليوم ، إذا رجفت الراجفة ، وحقت بجلائلها القيامة . ولحق بكل منسك أهله ، وبكل معبود عبدته وبكل مطاع أهل طاعته . فلم يجز في عدله وقسطه يومئذ خرق بصر في الهواء ، ولا همس قدم في الأرض إلا بحقه . فكم حجة يوم ذاك داحضة ، وعلائق عذر منقطعة . فتحر من أمرك ما يقوم به عذرك ، وتثبت به حجتك ، وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له ( 2 ) ، وتيسر له لسفرك ، وشم برق النجاة ، وأرحل مطايا التشمير . ( بيانه ) التجارة : صناعة التاجر ، وهو الذي يبيع ويشتري . وانما نكر « تجارة »

--> ( 1 ) في نا ، ب ، يد : متوازيين . ( 2 ) في ب : لا يبقى .